الغزالي
192
فضائح الباطنية
الأشعري : « أما بعد ! فإن أسعد الرعاة عند الله من سعدت به رعيته ، وإن أشقى الرعاة عند الله من شقيت به رعيته . وإياك أن ترتع فترتع عمالك فيكون مثلك عند الله مثل بهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت فيها تبتغى في ذلك السّمن ، وإنما حتفها في سمنها » وإنما قال ذلك لأن الوالي مأخوذ بظلم عماله وظلم جميع حواشيه ، فكل ذلك في جريدته « 1 » وينسب إليه . وقد روى أنه أنزل في التوراة على موسى عليه السلام أنه ليس على الإمام من ظلم العامل وجوره ما لم يبلغه ذلك من ظلمه وجوره ، فإذا بلغه فأقرّه شركه في ظلمه وجوره . قد روى أن شقيق البلخي « 2 » دخل على هارون الرشيد فقال له : أنت شقيق الزاهد ؟ فقال له : أما شقيق فنعم ، وأما الزاهد فيقال . فقال له : عظني ! فقال له : « إن الله تعالى أنزلك منزلة الصّديق وهو يطلب منك الصدق كما تطلبه منه ؛ وأنزلك منزلة الفاروق ، وهو يطلب منك الفرق بين الحق والباطل كما تطلبه منه ، وأنزلك منزلة ذي النورين « 3 » وهو يطلب منك الحياء والكرامة كما تطلبه منه ؛ وأنزلك منزلة علي بن أبي طالب وهو يطلب منك العلم كما تطلبه منه » . ثم سكت . فقال له : زدني ! قال : « نعم ! إن الله تعالى دارا سماها جهنم وجعلك بوابا لها ؛ وأعطاك بيت مال المسلمين وسيفا قاطعا وسوطا موجعا ؛ وأمرك أن تردّ الخلق من هذه الدار بهذه الثلاث : فمن أتاك من أهل الحاجة فأعطه من هذا البيت ؛ ومن تقدم على نهى الله فأوجعه بهذا السوط ؛ ومن قتل نفسا بغير حق فاقتله بهذا السيف بأمر ولى المقتول ، فإنك إن لم تفعل ذلك فأنت السابق والخلق تابع لك إلى النار » . قال : زدني ! قال : « نعم ! أنت العين « 4 » ، والعمال الأنهار ، إن صفت العين لم يصر كدر الأنهار ؛ وإن كدرت العين لم يرج صفاء الأنهار » .
--> ( 1 ) جريدته : صحيفته التي تنشر فوق رأسه يوم القيامة . ( 2 ) شقيق البلخي الصوفي الشهير ، شيخ خراسان ، توفى في سنة 194 ه - . ( 3 ) ذو النورين : عثمان بن عفان . ( 4 ) العين : نبع الماء .